Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA

للشاعر نوفل أبو رغيف

علاء المشذوب

ان سياق الديوان يدل على أنه ظهر في ظروف تمتد ما بين عام (1999-2005) وهذه مرحلة زمنية ليست بقليلة فهي تحوي من الأوضاع التاريخية والاجتماعية والنفسية الشيء الكثير بالنسبة للشاعر والنص نفسه وهي متنوعة في تناولها للموضوعات ما بين الهم الشخصي والهم الوطني ولكن الصفة الغالبة والطافية على سطح الديوان هو ثبات الشاعرية المتحدية والوثابة والمتناقلة بين التراجيديا المملوءة بالألم، بالحزن المملوءة بالهدير الموجع بالألم والمنبثق من بين الجروح، والحزن النبيل على ما مر به العراق من ظرف وأسى حيث يقول الشاعر في قصيدة (تنسى خسائرها... لتستمر) الآتي:

وجيء بالنار والأسوار واحتشدوا         

            وكنت تدنو وكـان المـوت يبتعـد

فلا تهن يا عراق الله، أنت لها           

            وأنت خلف لياليــك الطـوال غدُ

يا بيت من أهلهم هانوا لهيبته           

          يا غير نهريك،أهل البيت ما قصدوا  إن كل عمل فني لابد من أن يحوي كم من التعبيرية التي تؤدي إلى أغراضه ولكن التميزْ الذي أنفرد به هذا الديوان وإضفاء الموسيقى على تلك التعبيرية إعطاءه ميزة إضافية ومفردة أفرزته عن كثير من النتاجات الشعرية . ويمكننا أن نعد بعض قصائد هذا الديوان تعبير عن شخصية الشاعر من خلالها كما في قصيدة (سلامٌ على بغداد نحن ضفافها) وهي ردا على (كبير على بغداد أني أعافها) للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد فيقول:

ونمنحها آباءنا ومطــــافهم        

               مخافة أن قد لا يطول مطافهـا

وكنت تغني، وهي ثكلى وحيدة

            وأطفالها مرضى، وكثر ضعافها

وقد كان من أسرجتَ صوتك صهوةً     

               لآثامه يحلو لديه انكســـافُها

حيث يقول (جوته) (في الفن والشعر تكون الشخصية هي كل شيء) وبما أن الوسيط التعبيري للأدب هو الكلمات (الألفاظ) والشاعر (لا يستخدمها بوصفها موضوعات لها أهمية في ذاتها بل أن لها معنى أي أنها تدل على شيء خارج عنها قد يكون حوادث أو أشياء، وما يعنينا هو ما تدل عليه الألفاظ وعلى ذلك فليست للأدب دلالة كامنة منطوية على ذاتها وإنما هو يتجه بنا نحو مواقف واقعية من نوع ما) كما في قصيدة (وحشة الاحتلال) حيث يقول الشاعر:

مررتُ على وطني...لا يزالُ

                   تبلله وحشةُ الاحتلالْ

يلملمُ من صبره ما تبقى

                 وينحتُ أفقا جديداً... ليبقى

يدثر بالبرد أحزانه ُ

                 ويغسل بالصمت شطآنهُ

وكذلك يقول أشهر النقاد في عصرنا وهو ف.ر.ليفيس (أن الكلمات في الشعر لا تدعونا إلى التفكير حولها والحكم عليها، بل تدعونا إلى أن نندمج فيها بحسنا أو نصير الى حال غير حالنا ـ أي أن نحقق تجربة كاملة معطاة في الكلمات . فهي تطالب ... برهافة الاستجابة )  وعند إبحارنا داخل الديوان نجد أن الموسيقى المنبعثة من بين تلك البيوت الشعرية بالرغم من أن للوزن والقافية دور كبير فيها إلا أن إيقاع الكلمات المنتقاة بحرفية أبداعية غير واعية تطغي على الإيقاع المترتب عن ذلك الوزن. وبعد فإن لحظات السكون والصمت بين الألفاظ كأنها لحظة انبعاث الربيع بعد خريفاً طال عمرهْ. فيقول الشاعر:

لها الله من مسبيةٍ كم تحمٌلت

             وكم كـابرت والانتـظار كفافهـا

لها الله من أمٍ سنبقى صغارها

            ويبقى كـبيراً طهرهـا وعفافهـا

لكم أنكرت بغداد أوجاع ليلها

          وكم كان في حزن العيون اعترافها

ثم يعود الشاعر ليشرح الجانب النفسي له وللقصيدة والذي يعكسه من خلال محاورة مرةً تظهر على أنها حوار داخلي بينه وبين نفسه، ومرةً بينه وبين الآخر فيقول:

أنا بقايـا أبي، مليـون ثرثرةٍ

             ثارت علـىٌ وذابـت، مالـها أثرُ

فالأرذلون على أني أبيـع فمي  

             قد راهنوا كلـهم، لكنـهم خسروا

يا سلسبيل العراقيين، يا سجعَ     

           الحمام، يا غضٌ، يا دٌقاق، يا غضِرُ

إن التعبيرية المتمثلة بالعذوبة ـ الرقة ـ الحنين ـ الرهافة ـ الأمل ـ الحزن النبيل ـ التدفق ـ الاستمرارية ... لتجدها تفرض نفسها بل وتكتب أسماءها رغماً عن الشاعر حتى وكأنك تجد أن هنالك سيلان من الصوت الهادر وسط هذه الغابة الخضراء وأشعة الشمس المتشقشقة من بين الأغصان المتشابكة وصوت الماء في الأسفل يهدر أحلى معزوفة ، أما الطيور فهي تقسم الأنغام لتعزف تلك الدوحة الجميلة أحلى السيمفونيات . ثم قام الدعاء

يسحبُ عمري

ومشى الماء خلفنا والفصولُ

والحماماتُ أجلت ما تبقى

حين صليت واستراح الهديلُ

ساكتُ فيك كل شيء

أتدري؟

كيف ترضى بأن تبوح الأماسي

والأحاديث ياسمينٌ خجول

إن البناء الهرمي للنص الشعري على امتداد مساحة الديوان، تعطي للقصائد معمارية جمالية تطبع في ذهن المتلقي المتذوق للشعر وفي الوقت نفسه تترك عنده انطباع يوحي بالرصانة والقوة في المعاني. مثلما يعطي انطباع عن الأوضاع التي مرٌ بها العراق وخاصة بغداد دون الأجزاء الباقية وكذلك توجد بعض النصوص التي توصف بالقص والروي وهي هنا صفة ايجابية أكثر منها سلبية بالرغم من أن تلك الصفات هي صفات تخص القصة والرواية ، ولكن الشاعر أستطاع أن يحسن توظيفها كون أن هناك بعض الحالات من التي مرٌ بها العراق لا يمكن للاختزال والتكثيف من أن تروي غليل الشاعر ومثله المتلقي المتذوق النموذجي :

كان العراق يصلي كلما سألوا

              عنـهم وكان يغني كلما كبروا

وهكذا كان طعم العمر يا وطني   

               وهكذا كانت الساعات تحتضرُ

وبعدها جفت الأيام واحترق

           الماضي، وشاخ على علاتهِ قدرُ

وقد يؤاخذ على بعض النصوص خلوها من الرمز والأسطورة واللذان يُعدان كأحد الاستخدامات التي تعطي للنص الشعري مساحة من الفضاء الرحب والسعة من المعنى والمعرفة والخيال ؟ كما ويطرح في النصوص الأخرى بعض الأسئلة الفلسفية التي لا يتركها دون جواب بقدر ما تكون مشوقة لمتابعة النص :

ويطلع من آخر الملكوت

غمامٌ غريب

يوزع للمذنبين السكوتْ

وللفقراء..انتظار وقوت

وللشعراء..مآذنَ

في كل مئذنةٍ

وطن لا يموتُ

مثلما يستلهم الشاعر من تراثه المقدس (خاصة كربلاء) وحضارته وكذلك الرافدان ... يستلهم من بغداد ... من طفولته وحبه والأسماء ... قصصاً وعبرْ يوظفها داخل نصوصه لتصبح قناديل تضيء ذلك النسيج البتول الذي تفتحه الكلمات لتصبح ثمراً على شكل بيوت شعرية تنبض بالحياة على السلم الهار