Normal
0
false
false
false
EN-US
X-NONE
AR-SA
حيدر الحسني
جمعت الربوع العلمية
والحواضر المقدسة في العراق بين الدراسة العلمية بشتى فروعها وبين الدراسة الأدبية
بتنوع فنونها وبين قرض الشعر بكافة أبوابه وأغراضه فنرى في هذه الربوع والحواضر فطاحل
العلماء وكبار المجتهدين وهم في الوقت نفسه فحول الشعراء ورجال الفكر والأدب وقد يتخصص
الرجل بالعلوم ويبرع بها ويهتم بالأدب والشعر بشكل جانبي ونسبي والعكس كذلك فقد يبدع
الرجل بالأدب والشعر ويحلق بها ويهتم بالعلم بشكل آخر لا يضاهي براعته الأولى وقد يجتمع
عند الرجل هذا وذاك فيكون من أكابر العلماء ومن كبار الشعراء. ولعل المتتبع والدارس
لأحوال المدن المقدسة والمدن التي تمركزت فيها الحوزات العلمية وازدهرت فيها كالنجف
وكربلاء والكاظمية وسامراء والحلة قد برز فيها وبشكل واضح أكثر من المدن والحواضر الأخرى
العلماء والأعلام والأدباء الأفذاذ والشعراء المجيدون الذين طبعوا بصماتهم على تاريخ
العراق خلال حقب من الزمان في مجالات العلوم والمعارف والفكر والأدب والشعر والحق يقال:
إن هذا التراث الضخم والمادة الثرة الغزيرة هي من معطيات وإفرازات مدرسة أهل البيت(ع)
وعظماء آل محمد(ص) الذين وضعوا وأسسوا بناء الحضارة الإسلامية الحقة وشرحوا وأوضحوا
تفاصيل الشريعة السمحاء بشكلها الأصيل الصافي كما أرادته السماء والعلامة الشاعر الكبير(السيد
جعفر كمال الدين الحلي).
هو من أولئك الأفذاذ
الذين ساهموا وشاركوا في بناء هذا الصرح الشامخ فنراه عالماً فاضلاً وأديبا لامعاً
وشاعراً فحلاً دافع بأدبه وشعره عن المبدأ الحق المذهب الحق وتغنى بأمجاده وأجداده
وتظلم لظلامتهم ومحنهم خاصة فاجعة كربلاء فقد امتاز شعره بها على باقي الأبواب وتطلع
إلى ظهور مهديهم ليأخذ الثأر ويعيد الحق ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً
وجوراً ولم يقتصر أدب وشعر(السيد الحلي) على ذلك فقط بل تعداه إلى القضايا الاجتماعية
والاخوانية وهو الى ذلك قوي العاطفة صادق الإحساس شديد الانفعال كما انه على جانب كبير
من سعة الخيال وعمق الفكرة وجودة التصوير وبلاغة التعبير وكثيراً ما اشترك في حلبات
شعرية حاز فيها قصب السبق.
ينتسب(السيد جعفر
الحلي) الى زيد الشهيد بن الإمام علي بن الحسين(ع) وكانت ولادته في الحلة(الحاضرة العلمية
العريقة في وقت من الأوقات) وذلك في النصف من شعبان عام1277هـ ولما ترعرع وبلغ اقتفى
اثر إخوته الكرام فهاجر الى النجف الاشرف لطلب العلم فاخذ يحضر دروس العلم وأندية الفضل
ويتردد على محافل الأدب والشعر ولقد برع في نظم الشعر وهو في بداية شبابه ثم أصبح من
الشعراء المعدودين الذين تلهج الألسن بذكرهم وتتغنى بشعرهم.
ومن شعره الجيد
في رثاء الإمام المجاهد (الميرزا محمد حسن الشيرازي) قوله:
يا شعلة الطور
قد طال الحمام بها
وآية النور عفى رسمها الزمن
اليوم منك طوى
الإسلام قبلته
فالله يحفظ من إن يعبد الوثن
تحركوا بك ارقالاً
و لو علموا
ان السكينة في تابوتهم سكنوا
وقال مشطراً ابياتاً
للعلامة(السيد حسين القزويني) في الإمام أمير المؤمنين(ع):
ابا حسن أنت عيد
الإله
على الخلق والإذن الواعية
تراهم وتسمع نجواهم
فهم عندك تغرب من خافية
وانت مدير رحى
الكائنات
وقطب لأفلاكها الجارية
فان شئت تشفع يوم
الحساب
وان شئت تسفع بالناصية
وأنت الذي أمم
الأنبياء
تولتك في الاعصر الخالية
وكل الخلائق يوم
النشور
لديك اذا حشرت جاثية
فمن بك قد تم إيمانه
فبشراه في عيشة راضية
بحوضك يسقى ومن
بعد ذا
يساق الى جنة عالية
واما الذين تولوا
سواك
فما هم من الفرقة الناجية
يجيئون للحشر سود
الوجوه
يساقون دعّاً إلى الهاوية
ويقول في إحدى
روائعه في سيد الشهداء(ع) ومظلومية أهل البيت(ع) مستنهضاً الإمام الحجة(عج):
أدرك تراثك ايها
الموتور
فلكم بكل يد دم مهدور
ما صارم الا وفي
شفراته
نحر لآل محمد منحور
انت الولي لمن
بظلم قتلوا
وعلى العدى سلطانك المنصور
ولو انك استأصلت
كل قبيلة
قتلاً فلا سرف ولا تبذير
خذهم فسنة جدكم
ما بينهم
منسية وكتابكم مهجور
غصبوا الخلافة
من أبيك وأعلنوا
ان النبوة سحرها مأثور
والبضعة الزهراء
أمك قد قضت
قرحى الفؤاد وضلعها مكسور
واسأل بيوم الطف
سيفك انه
قد كلم الأبطال فهو خبير
يوم أبوك السبط
شمر غيرة
للدين لما ان عناه دثور
وقد استغاثت فيه
ملة جده
لما تداعى بيتها المعمور
وبغير امر الله
قام محكماً
بالمسلمين يزيد وهو امير
نفسي الفداء لثائر
في حقه
كالليث ذي الوثبات حين يثور
حرم لأحمد قد هتكن
ستورها
فهتكن في حرم الإله ستور
كم حرة لما أحاط
بها العدى
هربت تخف العدو وهي وقور
هتفت غداة الروع
باسم كفيلها
وكفيلها بثرى الطفوف عفير
وله قصيدة عظيمة
وشهيرة يندب بها صاحب الامر(عج) ويستنهضه يقول فيها:
يا قمر التم الام
السرار
ذاب محبوك من الانتظار
لنا قلوب لك مشتاقة
كالنبت اذ يشتاق صوب القطار
فيا قريباً شفنا
هجره
والهجر صعب من قريب المزار
دجى ظلام الغي
فلتجله
يا مرشد الناس بذات الفقار
يستنصر الدين ولا
ناصر
وليس الا بكم الانتصار
متى نرى بيضك مشحوذة
كالماء صاف لونها وهي نار
متى نرى خيلك موسومة
بالنصر تعدو فتثير الغبار
متى نرى الأعلام
منشورة
على كماة لم تسعها القفار
متى نرى وجهك ما
بيننا
كالشمس ضاءت بعد طول استتار
متى نرى غلب بني
غالب
يدعون للحرب البدار البدار
ثم يقول:
زعيمنا حجبت عنا
فما
اقرب ان يبدو فيمحي الذمار
ان صحن بالطف نساء
لنا
سندخل الصيحة في كل دار
او تبكي أطفال
صغار لنا
سنأخذ القوم بذل الصغار
او قتل السبط فلا
بد ان
ندرك حافات ببيض الشفار
تلك دماء قد أطلت
ولا
والله لا تذهب منا جبار
يا وقعة الطف ولم
ننسها
ما اظلم الليل وضاء النهار
وكانت وفاته فجأة
في23 شعبان عام1315هـ ودفن بوادي السلام بالنجف الاشرف.