Normal
0
false
false
false
EN-US
X-NONE
AR-SA
جواد البياتي
عندما طلب من السيد
خوسيه موخيكا الرئيس المنتخب للارغواي تسجيل بيان تحت القسم بفصل الاصول التي يملكها
وهي بيانات التملك الشخصي قبل استلامه لمقاليد الحكم، لم يقدم سوى سيارة فولكس واكن
نوع (بيتل) موديل 1987 تقدر قيمتها بأقل من الفي دولار مع ان هذا الرئيس يعد رجل عصابات
يساري ويشتهر في بلدته الصغيرة بحياته المتواضعة وسلوكه الواقعي المميز واظهر البيان
الذي قدمه موخيكا البالغ من العمر (75) عاماً والذي نشر على مواقع الانترنت ان غير
مدين لاحد ولا يملك داراً او اية مدخلات اخرى، وان راتبه الرئاسي الشهري يبلغ
(11.680) دولار يتبرع باكثر من نصفه الى الائتلاف اليساري في بلده وكذلك قسم منه الى
برنامج الاسكان العام وهذا التواضع جعل موخيكا يرفض الانتقال الى القصر الرسمي واختار
البقاء في منزل زوجته في ضواحي العاصمة (مونتفيديو).
هذا الرجل وان
وصف بأنه (رجل عصابات) وهي التسمية التي تطلقها الانظمة الدكتاتورية على المناضلين
الذين يتصدون لسياساتها والذين يعملون على تغيير تلك الانظمة، فإنه خضع للقواعد الدستورية
والقوانين النافذة التي تنظم الحياة في دولته، او هكذا اقتضت التقاليد الحضارية في
الدول ذات الانظمة الديمقراطية، بتقديم الكشوفات لكافة المسؤولين الحكوميين باختلاف
درجاتهم وعناوينهم الوظيفية وهو ما يسمى القسم بعرض اصول الممتلكات المنقولة وغير المنقولة
للمسؤول الذي يبدأ مشواره في سدة المسؤولية ويتكرر ذلك بتقديم الكشف النهائي في ختام
مسؤوليته في السلطة، وهي اجراءات الغرض منها اخلاء ساحة المسؤول من كل ما يلوثها من
التلميحات الجارحة فضلاً عن تحصين سمعته ومركزه السياسي والاجتماعي لقد وجدت الدول
ذات الانظمة الديمقراطية العريقة ان هذا الاجراء ضروري جداً وتعميمه في الديمقراطيات
الحديثة ضروري جداً هو الاخر من اجل صيانة المال العام وصيانة سمعة المسؤول، هذا اذا
لم يخطط المسؤول لسلوك طرق اخرى بديلة للاثراء خارج خيمة القانون.
لقد دأبت الدول
المتحضرة على نظافة ونزاهة مسؤوليها واسرهم حرصاً عليهم من الفضائح التي تطالهم والتي
قد تؤدي الى ازمات سياسية كبيرة وقوية، ولهذا فإن تقديم البيانات المالية لممتلكات
المسؤولين ما هي الا حصانة للنظام الديمقراطي وديمومته.
واذا ما استعرضنا
الامثلة على نزاهة المسؤولين ومستوى وطنيتهم فلنا في الرؤساء الفرنسيين ومنهم جاك شيراك
الذي اظهرت الكشوفات المالية لثروته بعد انتهاء فترة رئاسته بأنها أقل من يوم انتخابه
لرئاسة فرنسا قبل تسلمه اياها، ونادراً ما نسمع عن فضائح مالية لمسؤولين غربيين اذا
ما قارناها بفضائح بعض المسؤولين - المعلنة والتي لم تعلن - في عالمنا الثالث الذي
نعيش فيه نجد ان المتورطين في الدول الاخرى ارحم من مسؤولينا في القسوة على المال العام.
منذ عام 1921 ميلاد
اول دولة عراقية حديثة وحتى عام 1958 لم تؤشر حالة اثراء غير شرعي لمسؤول عراقي على
حساب المال العام، ولازالت الوثائق الرسمية لاملاك فيصل الاول وعائلته وسلالته الملكية
نظيفة لم تؤشر فيها مواضع وضع يد او اغتصاب ملك احد من المواطنين او قبول هدايا تثير
الريبة والشيء ذاته ينطبق على رؤساء الحكومات ووزاراتهم، كما ولنا امثلة على نظافة
جانب كل من عبد الكريم قاسم والاخوان عارف وناجي طالب من كل ما يشوه سمعتهم او تاريخهم
في باب تقدير المال العام.
رغم عدم وجود قوانين
تفرض عليهم تقديم بيانات مالية عن ثرواتهم وممتلكاتهم قبل وبعد تسلم المسؤولية الحكومية،
ولا يخلو العالم من مسؤولين صادقين، لكم ما يثير الدهشة هو ذلك الاصرار من قبل البعض
على الاعتراف او المماطلة في عرض بيانات التملك فهو اما خوفاً من الحسد او خوفاً من
القانون وفي كلاهما مخالفة قانونية وشرعية.
ولا يزال مسؤولونا
يتخوفون من الاعلان عن ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ظناً منهم بان الدولة ستضع
يدها على هذه الممتلكات في الوقت الذي تريد فيه الدولة حمايتهم وحماية اموالهم بعيداً
عن المساءلة وتحصين سمعتهم من كل ما يسيء اليها في هذا الجانب.