Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA

حافظ آل بشارة

في غمار الأزمة السياسية السائدة تختلط الأصوات وتتداخل الخطابات ، ويصبح الأتجاه المهيمن على الرأي العام هو توجيه الادانة الى أغلب القوى الوطنية بلا تمييز باعتبارها مسؤولة تضامنيا عما يجري من تعطيل وتأخير في ملف الرئاسات الثلاث ، أو القول بأن هناك صراعا على المكاسب السياسية بين أفراد نخبة تتجاهل مأساة الوطن والشعب وتسهم في اطالة امد المحنة وادخال البلاد والعباد الى نفق مظلم ، ولايمكن التقليل من اهمية وصدقية هذه التصورات التي هي تصورات الشارع والشارع هو مصدر الشرعية في النظام الديمقراطي ورأيه العام معيار مهم ، وبالفعل فان بعض القوى السياسية ذهبت في معركة السلطة الى مدى بعيد ولم تعد قادرة على التمييز الحق والباطل ، لكن  اختلاط الأصوات لم يمنع الشارع من الأصغاء الى خطاب من نوع آخر متحرر يحاول التذكير بالتجربة الديمقراطية و يحث على حفظها من الخروق وحمايتها من الانحراف ، ويترجم ذلك الخطاب رؤاه في مطالب واضحة ، الا ان هذا الصوت المهم يختلط مع فوضى الأصوات ، ويدرج ضمن شعارات الاطراف المتصارعة التي اعتاد الكثيرون من النخبة والشعب على عدم تفحصها ، وهنا تتفشى لدينا اشكالية معرفية تتمثل بالنظر دائما الى من قال وليس الى ماقال خلافا لحكمة التلقي والتمييز العقلاني ، يجب تصحيح اشكالية المعرفة والتلقي قبل تصحيح حالات الخلل التطبيقي ، اشكالية المعرفة تساعد ضحاياها على الخروج دائما بتقييم خاطئ للأزمة القائمة وتسطيح لموضوعاتها الخطيرة ، صحيح ان ابسط تفسير لما يجري في الساحة السياسية القول بأن الجميع يريد أن يكون رئيسا للوزراء وان هذا المنصب يسند عادة لشخص واحد ، وهكذا يتم تجاهل حزمة من الاسباب الاخرى تقف وراء الأزمة ، وابرزها ان هناك قوى وطنية لديها اعتراضات على اداء السلطات كافة في دورتها الماضية ، وقد شخصت حالات من الفشل والتراجع مسجلة بالارقام ، بينما تصدر بالمقابل قائمة انجازات الحكومة بالارقام ، القوى المعترضة تريد ان تطمئن على منع تكرار الأخطاء السابقة خاصة عندما يتضح للجميع ان بعض تلك الاخطاء لم تحدث بسبب القصور أو التقصير بل هي ممارسات ذات طابع منهجي تتحدى الدستور وقواعد الادارة الديمقراطية ، وهذه الحقيقة المؤسفة تجعل التصحيح المطلوب وضماناته ليس فقط اجراء اداريا بل هو ضرورة لحفظ قواعد النظام السياسي الجديد وعدم السماح بتأسيس سياقات تقود الى الانحراف ، من اهم الاعتراضات الجوهرية التي تتلاشى كصوت اضافي بين الاصوات في مركز الازمة هو القول بان السلطة التنفيذية السابقة اتبعت سياقات عمل معينة ادت الى اضعاف دور السلطات الأخرى القضائية والرقابية في العمل الحكومي ، وهذا الخلل يستبطن مخالفات عديدة منها انه يؤسس لحصر الصلاحيات في سلطة واحدة وتجميد أو اعاقة عمل السلطات الاخرى ، أي العودة الى مركزة القرار ومركزة الادارة بالشكل الذي يبتعد تدريجيا عن مضمون النظام الديمقراطي القائم على فصل السلطات ، كما يستبطن هذا السلوك مخالفة صريحة لنصوص الدستور الذي يعطي كل سلطة صلاحياتها بشكل متوازن ويحدد حقل عملها الطبيعي . وعادة يمكن التفاؤل بان الأخطاء الناجمة عن ضعف الاداء قابلة للتصحيح ولكن هذا التفاؤل يتضائل كثيرا عندما يلاحظ بأن تلك التجاوزات تجري عبر صفقات واعية ومقصودة لتحصل سلسلة من حالات الخلل الخطير ، خلل سيلحق بعمل القضاء بسبب ضغوط معينة ويهدد استقلاله وفي المستقبل يسعى العراق لترسيخ قواعد المجتمع المدني ودور القضاء في هذا الجانب مهم جدا ، وخلل آخر سيصيب دور مجلس النواب الرقابي كما كان سابقا والمماطلة في استدعاء كبار المسؤولين حال تقصيرهم من أجل مسائلتهم تحت قبة البرلمان ، وخلل آخر يتواصل في ادارة القوات المسلحة وتوزيع القادة والآمرين ، وحدوث ثغرات تنفيذية غير منظورة تساعد على استخدام توازنات ربما تخدم جهة وتضاعف نفوذها داخل القوات المسلحة دون الجهات الاخرى بما يناقض قواعد عمل القوات المسلحة في النظام الجديد وكونها متوازنة وهي فوق الميول والاتجاهات ويمنع فيها الانتماء الحزبي او المجاهرة بالانتماء الاجتماعي الجزئي ، و من ناحية القيادة يكون القائد العام مدنيا له الاشراف والاوامر العليا ولا يتدخل في الجزئيات ، ولديه سياقات معروفة وتسلسل مراجع ، وضمن الأصوات الاصلاحية الاعتراضية صوت آخر اراد مرات عديدة تذكير الرأي العام بالفرق الكبير بين رئاسة الوزراء ورئاسة مجلس الوزراء في اطار تصحيح المفاهيم الذي يجب ان يجري في تشكيل الحكومة المقبلة ، ويبدو أن هناك اختلافا في الصلاحيات وحجمها ولا بأس أن يجري بحث وتثبيت هذه القضية في القوانين التي ستشرع لاحقا بحيث تكون السلطة الحقيقية لمجلس الوزراء ، ولكن المهم ان لا ينظر الساسة الى سلطات رئيس الوزراء أو رئيس مجلس الوزراء كأمتيازات شخصية يحق للشخص التنازل عنها أو تقديمها هدية لموقع قيادي آخر أو تقليلها أو تكثيرها في اطار التفاوض الجاري بين الاطراف ، يفترض أن تكون الصلاحيات مرتبطة بالسلطة وليس الشخص ، بالرئاسة وليس الرئيس ، بالولاية وليس المتولي كشخص ، الدستور يجب ان يكفل حدود تلك الصلاحيات وعدم التحرش بها بغض النظر عن الشخص المكلف ، ولا تتوقف الأصوات المعترضة على الاخطاء عند هذا الحد بل تذهب الى نقد وتحليل ما جرى في انعقاد مجلس النواب الجديد ، فقد تم تأجيل اداء اليمين الدستورية لبعض النواب الجدد الذين صادقت عليهم المحكمة الأتحادية واصبح القسم جزء متمما لشرعية نيابتهم ، وتم التأجيل لوجودهم في مواقع تنفيذية مهمة بدون أي مسوغ دستوري لذلك الاجراء ، كما ان النواب المشمولين اصبحوا يحملون صفتين تنفيذية وتشريعية وهي ايضا ظاهرة تفتقر للمبرر الدستوري ، وقيل ان هذه الخطوة اتخذت بضغط من أطراف لاجل وقف تحويل الحكومة الى حكومة تصريف اعمال ، ولكن ذلك الأجراء لم يجد نفعا فقد تحولت الحكومة الى تصريف اعمال مؤخرا وهكذا خسر اصحاب الفكرة المشيتين فلم يعد هناك حكومة ولا برلمان يعتد بهما في البلد ، وأصبح كثير من المعنيين يطالبون بمراقبة الحكومة الحالية ومنعها من اتخاذ قرارات مصيرية وكأنها كاملة الصلاحية ، خاصة وان النظام في العراق يوصف بأنه نظام برلماني لكن الحلقة الأضعف في السلطات السياسية للبلد راهنا هي حلقة البرلمان فهو سلطة معطلة وخاضعة للأمزجة ولضغط السلطات الاخرى . الاعتراضات والدعوات التي اوردناها في هذا السياق لاتشكل ضغطا او استهدافا لطرف سياسي بل تذكر على انها ظواهر عامة تتعلق بأصل النظام الجديد والتجاوزات التي حدثت في تطبيقه ، وتصلح تلك الاعتراضات كقاعدة مطالب لتشكيل الحكومة المقبلة ، بحيث يظهر اتفاق وطني أو مشروع وطني يؤطر ويشرعن عملية تصحيح هذه التجاوزات ، ويقدم الضمانات لعدم تكرارها ، الا أن هيمنة الهاجس التنافسي على أجواء الأزمة ادى الى ادراج الأصوات المهنية المطالبة بهذه الاصلاحات ضمن خليط الاصوات والضوضاء الجدلية ، وغالبا ماذهبت دعوات التصحيح ادراج الرياح لأنها تواجه عملية تسييس متواصلة ، ليس خطيرا ان يتواصل التنافس بين جميع الأطراف لنيل المكاسب السياسية ولكن الخطير أن ينزل الجميع من سفح الجبل للاشتراك في معركة توزيع الغنائم مع ترك ظهر العراق مكشوفا لمزيد من الهزائم ومواقف الفشل.